ابن عربي

59

فصوص الحكم

لما كانت الحقيقة الوجودية واحدة لزم أن ننسب إليها جميع صفات الموجودات المحمود منها والمذموم ، لأن التفرقة بين صفات الأشياء على أساس المدح والذم تفرقة أخلاقية أو دينية وهي بذلك اعتبارية لا حقيقية . أما الموجودات في ذاتها فلا توصف بأنها محمودة أو مذمومة ، كما أن الأفعال في ذاتها لا توصف بأنها خير أو شر . وكل ما يمكن أن يقال في أي موجود هو أنه مجلى يظهر فيه الحق بصفة أو صفات هي كيت وكيت سواء أكانت هذه الصفات مما اصطلح العرف أو الشرع أو القانون الخلقي على تسميتها محمودة أو مذمومة أو لم تكن . وإذا كان الأمر كذلك فيستوي أن نقول إن « الحق » يظهر بصفات المحدثات المحمود منها والمذموم ، وأن نقول إن الخلق يظهر بصفات الحق . أما أن الحق يظهر بصفات المحدثات فقد أخبر بذلك عن نفسه في مثل قوله : « ومَكَرُوا ومَكَرَ الله » ، وقوله : « الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ » ، وقوله : « إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله ورَسُولَه » إلى غير ذلك من الآيات . غير أنه يجب ألا يغرب عنا ما ذكرناه آنفاً في مسألة التنزيه والتشبيه ، أن ابن عربي لا يفهم هذه الآيات على أنها دالة على مجرد التشبيه - كما يقول المشبهة - بل يفهم منها أن الحق هو الظاهر في صورة كل من اصطلحنا على تسميته ماكراً ، وأنه الظاهر في صورة المستهزئ والمؤذي وغير ذلك . وقد أوضح ذلك المعنى بما لا مزيد عليه في الفص السابق ( الفص الرابع ) حيث قال : « بل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة . . . قال - يا أبتِ افعل ما تؤمر - والولد عين أبيه ( لأنهما مظهران لذات واحدة ) فما رأى يذبح سوى نفسه . وفداه بذبح عظيم - فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان وظهر بصورة ولد . . . وخلق منها زوجها فما نكح ( أي آدم ) سوى نفسه : فمنه الصاحبة والولد والأمر واحد في العدد » . ليس بغريب إذن أن يأتي هنا ويقول إن الحق يظهر بصفات المحدثات . أما ظهور الخلق بصفات الحق فكظهور الإنسان بصفة العلم أو الرحمة أو